ابن أبي الحديد

59

شرح نهج البلاغة

وقد بعثت لكم قيس بن سعد الأنصاري أميرا ، فوازروه وأعينوه على الحق ، وقد أمرته بالاحسان إلى محسنكم ، والشدة على مريبكم ، والرفق بعوامكم وخواصكم ، وهو ممن أرضى هديه ، وأرجو صلاحه ونصحه . نسأل الله لنا ولكم عملا زاكيا ، وثوابا جزيلا ورحمة واسعة ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وكتبه عبد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست وثلاثين . قال إبراهيم : فلما فرغ من قراءة الكتاب ، قام قيس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : الحمد لله الذي جاء بالحق ، وأمات الباطل ، وكبت الظالمين . أيها الناس ، إنا بايعنا خير من نعلم من بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله ، فإن نحن لم نعمل بكتاب الله وسنة رسوله فلا بيعة لنا عليكم . فقام الناس فبايعوا ، واستقامت مصر وأعمالها لقيس ، وبعث عليها عماله ، إلا أن قرية منها قد أعظم أهلها قتل عثمان ، وبها رجل من بنى كنانة يقال له يزيد بن الحارث ، فبعث إلى قيس : أنا لا نأتيك فابعث عمالك ، فالأرض أرضك ولكن أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس . ووثب محمد بن مسلمة بن مخلد بن صامت الأنصاري فنعى عثمان ، ودعا إلى الطلب بدمه ، فأرسل إليه قيس : ويحك ! أعلى تثب ! والله ما أحب أن لي ملك الشام ومصر وأنى قتلتك ! فاحقن دمك . فأرسل إليه مسلمة : إني كاف عنك ما دمت أنت والى مصر . وكان قيس بن سعد ذا رأى وحزم ، فبعث إلى الذين اعتزلوا : إني لا أكرهكم على البيعة ، ولكني أدعكم وأكف عنكم ، فهادنهم وهادن مسلمة بن مخلد ، وجبى لخراج ، وليس أحد ينازعه . * * *